عائشة في تحقيق المحقق العلامة الكركي

19 أبريل 2010
25
0
0
لا يخفى أنّ عائشة أَلَبَّت على أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرجت مع طلحة والزبير إلى البصرة، وعامل عليّ (عليه السلام) فيها، فقتلوه واستولوا على بيت مال المسلمين، وأخرجوا أهل البصرة عن طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولبّسوا عليهم الشُبَه والأباطيل، ونادوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّه قتل عثمان وإنّا نريد الأخذ بثاره، مع أنّ طلحة والزبير كانا قد بايعاه فنكثا البيعة وفَعَلا ما فعلاه.

ومعلوم بين نقلة الأخبار ـ كما علم بوجود الليل والنهار ـ أنّ طلحة رأس المؤلّبين على عثمان، وعائشة رأس المحرّضين على قتله، وهي القائلة: اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً، فلقد أبلى سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذه ثيابه لم تبل(1). ولَمّا خرجت إلى مكّة وبلغها قتله وأنّ الناس اجتمعوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) وَرِمَ(2) أنفها وحرّكها ما في قلبها من العداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت: لأطلبنَّ بدمه(3).


____________

1- النهاية في غريب الحديث والأثر 5: 80 " نعثل ".

2- ورم أنفه: أي غضبَ. الصحاح 5: 2050 "ورم".

3- انظر السيرة الحلبيّة 3: 315.


وقد نقل الشيعة والسنّة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال للزبير: " إنّك ستقاتله وأنت ظالم له ".

وقال (صلى الله عليه وآله): " أيّتكنّ صاحبة الجمل الأريب، تنبحها كلاب أهل الحوأب، تقاتل عليّاً (عليه السلام) وهي له ظالمة؟ "(1)، والقصّة أظهر من أن تحتاج إلى البيان.

ولمّا بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) خروجهم تجهّز إليهم من المدينة، فلمّا قرب من البصرة كتبَ إلى طلحة والزبير: " أمّا بعد، فقد علمتما أنّي لم أرد الناس حتّى أرادوني ولم أبايعهم حتّى أكرهوني، وأنتما ممّن أرادوا بيعتي فبايعوا ولم تبايعا بسلطان غالب ولا لغرض حاضر، فإن كنتما بايعتما طائعين فطوبى إلى الله عزّ وجلّ عمّا انتما عليه، وإنْ كُنْتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصيّة.

وأنت يا زبير فارس قُريش، وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين، ودْفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما مِن خروجكم منه بعد إقراركما به. وأمّا قولكما: إنّي قتلت عثمان بن عفان، فبيني وبينكما مَن تَخَلَّف عنّي وعنكما مِن أهل المدينة، ثمّ يلزم كلّ امرئ بقدر ما احتمل.

وهؤلاء بنو عثمان ـ إن قتل مظلوماً كما تقولون ـ أولياؤه، وأنتما رجلان من المهاجرين، وقد بايعتماني ونقضتُما بيعتي وأخرجتما أُمّكما من بيتها الّذي أَمَرَها الله تعالى أن تقرّ فيه، والله حسبكما والسّلام "(2).

وكتبَ إلى عائشة: " أمّا بعد، فإنّكَ خرجت من بيتك عاصية للهِ ولرسوله، تطلبين أمراً كان عنكَ موضوعاً. ثمّ تزعمين أنّك تريدين

____________

1- الإمامة والسياسة: 56.

2- نهج البلاغة: 145.


الإصلاح بين الناس، فخبّريني ما للنساء وقود العساكر؟ وزعمتِ أنّكِ طالبة بدم عثمان، وعثمان رجلٌ من بني اُميّة وأنت امرأة من بني تيم بن مرّة! ولعمري إنّ الّذي عرّضك للبلاء وحَمَلَكِ على المعصية لأعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان. وما غضبت حتّى أغضبت ولاهجت حتى هجيت، فاتّقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلكِ واسبلي سترك والسّلام ".

فعاد الجواب إليه: يا بن أبي طالب، جَلَّ الأمر عن العتاب، ولن ندخلَ في طاعتكَ أبداً! فاقضِ ما أنت قاض، والسّلام.

وقد أسلفنا فيما مضى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لعليّ (عليه السلام): " حربكَ حربي وسلمكَ سلمي ". وروي من طرق لا تحصى قوله (صلى الله عليه وآله): " لا يحبّكَ إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق، كذب مَن زعم أنّه يُحبّني ويبغضكَ ".

فلا جرم كان ذلك مِن أقبح الظلم الموجب لاستحقاق اللعن، بل هو موجب للكفر ; لأنّ حرب النبيّ (صلى الله عليه وآله) حرب الله، ومُحارب الله كافر.

اللّهم إلاّ أن يقول أهل السنّة: إنّ حرب الله بالاجتهاد جائز!!! كما يقولون تخرّصاً وافتراءً: إنّ عائشة وطلحة والزبير ومعاوية حارَبوا عليّاً (عليه السلام) بالاجتهاد!

فإنّ هذا لظهور سخافته لا يحتاج إلى التعرّض لردّه، فإنّ مناط الاجتهاد في المسائل الظنيّة الّتي لا دليل قطعيّاً يدلّ عليها من الكتاب والسنّة. وكيف يكون حرب عليّ (عليه السلام) الّذي قد ورد فيه من الأخبار مثل ما ذكرناه، وقد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) صريحاً لهؤلاء المحاربين " أنّهم ظالمون "، محلاًّ للاجتهاد؟ لولا أنّ أهل البدعة أسفه مَن على وجه الأرض وأقلّهم حياءً من الله ورسوله.

وربّما قيل: إنّ الزبير تاب حيث خرج من الحرب وترك الفريقين.

وهو ظاهر البطلان; لأنّ حقيقة التوبة الإقلاع عن المعصيّة بالدخول في الطاعة الّتي عصى بخروجه منها، وإظهار الندم على ما مضى منه، وكشف ضلال مَن أضَلَّه ولبَّس عليه. ولَيست التوبة أنّه بعد أن أسفر الحرب، وأوقد نار الفتنة، وأدخل الشبهة على قلوب الدهماء، فبلغ بالأمر تقابُل الصفوف والتحام القتال، يتركهم كذلك ويعتزِلُهم ويمضي لسبيلة.

واعلم أنّه ربّما توهّم أهل البدعة وسَفْساف الاُمّة: أنّ أصحابنا الإماميّة إنّما يلعنون عائشة لِما نسب إليها من الافك.

وأكثرهم يعلمون أن مقالتنا ليست هذه، لكنّ يطلبون بذلك إثارة الشناع كما هو دَيدن أعداء الدين بالنسبة إلى أهل الحقّ.

وحاشا أن يقولَ أصحابنا بجواز مثل ذلك في عِرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)لو لم ينزل القرآن ببراءتهما من ذلك، فكيف والقرآن العزيز ينطق بذلك على أبلغ الوجوه؟ وأنّى يقول أصحابنا بذلك وهم الّذين يشترطون في النبيّ (صلى الله عليه وآله)أن يكون منّزهاً من دناءة الآباء والاُمّهات ورذائل الأخلاق، فضلاً عن عَهر الأزواج؟!

نعم، هو لائق بمقالة أهل العناد وإن منعوه هنا بضميمة اُمور آخر.