فرية أن المقصود هو عمر: بلاء فُلاَن، فَلَقَدْ قَوَّمَ الاْوَدَ، وَدَاوَى الْعَمَدَ ( نهج البلاغة )

18 أبريل 2010
61
0
0
بسم الله الرحمن الرحيم

على بركة الله نبدأ في أزالة نسج العنكبوت وفقأ الفقاعات التي ربما يستأنس بها بعض المساكين


الفقاعة الاولى :

يقولون :
جاء في نهج البلاغة في مدح الخليفة الثاني عمر بن الخطاب :
(( لله بلاء فُلاَن، فَلَقَدْ قَوَّمَ الاَْوَدَ، وَدَاوَى الْعَمَدَ، وَأَقَامَ السُّنَّةَ، وَخَلَّفَ الْفِتْنَةَ ! ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ، قَلِيلَ الْعَيْبِ، أَصَابَ خَيْرَهَا، وَسَبَقَ شَرَّهَا، أَدَّى إِلَى اللهِ طَاعَتَهُ، وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ، رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُق مَتَشَعِّبَة، لاَ يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّ، وَلاَ يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِي )) انتهى .

فنقول :

1- لم يذكر في النص اسم عمر بن الخطاب . فالشريف الرضي لم يذكر اسم عمر بن الخطاب لا في عنوان الكلمة , ولا في متنها .

2- الشريف الرضي رحمه الله عندما جمع نهج البلاغة لم يذكر سنده إلى هذه الخطب والكلمات , لذا يتوجب الرجوع إلى المصادر الأم لملاحظة السند .

3- قال الطبري في تاريخه 2 : 575 ( حدثني عمر قال حدثنا علي قال حدثنا ابن دأب وسعيد بن خالد عن صالح بن كيسان عن المغيرة بن شعبة قال لما مات عمر رضي الله عنه بكته ابنة أبي حثمة فقالت واعمراه أقام الأود وأبرأ العمد أمات الفتن وأحيا السنن خرج نقي الثوب بريئاً من العيب . قال وقال المغيرة بن شعبة لما دفن عمر أتيت عليا وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئاً فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أن الأمر يصير إليه فقال يرحم الله ابن الخطاب لقد صدقت ابنة أبي حثمة لقد ذهب بخيرها ونجا من شرها أما والله ما قالت ولكن قوّلت )

وفي السند يوجد علتان أساسيتان :

الاولى : ان صالح بن كيسان ما ادرك المغيرة ولم يسمع منه وهذا انقطاع مسقط للرواية

الثانية : ان الرواية عن المغيرة بن شعبة الذي صح عند القوم انه كان يسب عليا على منبر الكوفة بعد وفاة أمير المؤمنين ولا يعقل ان نقبل شهادة مبغض لعلي في مثل هذه الامور التي تخدم كرسي هذا المبغض وسلطانه


وأيضا في تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 44 ص 457 :
أنبأنا أبو سعد محمد بن محمد بن المطرز وأبو علي الحداد قالا أنا أبو نعيم الحافظ نا أبو محمد بن حيان نا محمد بن سليمان نا الخليل بن أسد البصري نا نصر بن أبي سلام الكوفي أبو عمرو نا عباءة بن كليب الليثي عن عثمان بن زيد الكناني عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أوفى بن حكيم قال لما كان اليوم الذي هلك فيه عمر خرج علينا علي مغتسلا فجلس فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال لله در باكية عمر قالت واعمراه قوم الأود وأبرأ العمد ( 3 ) واعمراه مات نقي الثوب قليل العيب واعمراه ذهب بالسنة وأبقى الفتنة

وسنده هالك بسبب :
جهالة عثمان بن زيد الكناني
عباءة بن كليب أورده العقيلي في الضعفاء
وجهالة نصر بن أبي سلام الكوفي
وجهالة الخليل بن أسد البصري
ولم أعثر على ترجمة أوفى بن حكيم

وأيضا في نفس المصدر قال :
أخبرنا أبو طالب علي بن عبد الرحمن أنا أبو الحسن الخلعي أنا أبو محمد بن النحاس أنا أبو سعيد بن الأعرابي نا ابن المنادي نا إبراهيم بن يوسف الزهري نا بردان عن صالح بن كيسان عن ابن بحينة قال لما أصيب عمر قلت والله لآتين عليا فلأسمعن مقالته فخرج من المغتسل فأطم ساعة فقال لله نادبة عمر عاتكة وهي تقول واعمراه مات والله قليل العيب أقام العوج وأبرأ العمد واعمراه ذهب والله بحظها ونجا من شرها واعمراه ذهب والله بالسنة وأبقى الفتنة فقال علي والله ما قالت ولكنها قولت

والسند كصاحبه ففيه :
أبو محمد بن النحاس مجهول
إبراهيم بن يوسف الزهري مجهول
أبو الحسن الخلعي مجهول
صالح بن كيسان لم يسمع من ابن بحينة وهو عبد الله بن مالك بن القشب

خلاصة الكلام :
لم ينقل هذا النص من علمائنا غير الشريف الرضي رحمه الله وقد بينا مصدره من كتب القوم وهي حتى عندهم لاتصح ... هذا مع عدم وجود التصريح في المتن بان المراد هو عمر فتكون القضية كقول احدهم :
رحم الله شخصا لااتذكر أسمه رأيته يوما في مكان لا أتذكره فأخبرني بشيء لاادري ماهو
فلا الشخص يتذكره ولا مكان اللقاء ولا حديث اللقاء ومع هذا يحسب انه يروي لنا قصة
 
18 أبريل 2010
61
0
0
حسن الروح



قال أمير المؤمنين هذا القول المشهور الذي اختلف الناس كلّهم في تفسير معناه. فقد قال (عليه السلام):
لله بلاد فلان. فلقد قوّم الأود. وداوى العمد. وأقام السنّة. وخلّف الفتنة. ذهب نقي الثوب قليل العيب. أصاب خيرها وسبق شرّها. أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه. رحل وتركهم في طرقٍ متشعّبة لا يهتدي بها الضال. ولا يستيقن المهتدي
نهج البلاغة / الخطبة 223
أكثرُ الشرّاح قالوا المراد بفلان عمر. وقال بعضهم لا يستقيم الكلام لأنّه انتقد عمر نقداً شديداً في مواضع أخرى فلا يصلح أن يكون الثناء عليه هنا. فالمراد أبو بكر.
ولم تسبقه دولة أو بلاد لأحدٍ سواهما مع عثمان وليس عثمان هو المراد منه بإجماع الشرّاح لأنّه صاحب الفتنة ومركزها فالسابق لها: أبو بكر وعمر فقط. وقيل أن الجاروديّة قومٌ من الزيدية يزعمون أنّه في عثمان.


قال ابن أبي الحديد وقد ظهرت عليه حيرة عظيمة في تفسير هذا الكلام أنه سأل عنه النقيب أبا جعفرٍ بن يحيى ففصّل له أقوال فرق الإمامية فيه ومنهم الإثني عشرية حيث قالوا هو من باب التقيّة لاستصلاح أصحابه !!

وقال في الردّ على من زعم أنه في بعض الأصحاب دون الخلفاء: أنه لا يجوز. وسمّاها بالتأويلات الغثّة وقال: لا يعجبني هذا التأويل.

على أن أبا جعفرٍ الطبري صرّح أو كاد أن يصرِّح بأن المقصود من هذا الكلام هو عمر. فقد ندبته إحدى النساء عند موته فقالت: وأعمراه أقام الأود وأبرأ العَمَد أمات الفتن وأحيا السنن خرج نقي الثوب بريئاً من العيب. قال: وقال الطبري عن المغيرة وهو من أعداء عليٍّ قال: أتيت عليّاً لمّا دفن عمر وأنا أحبّ أن أسمع منه وقد خرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحفٌ بثوبٍ لا يشكّ أن الأمر يصير إليه فقال: رحم الله ابن الخطّاب لقد صدقت إبنة إبي حثمة ذهب بخيرها ونجا من شرّها أما والله ما قالت ولكن قُوِّلت.

أقول: أمّا أنا فعجبي من الناس كلّهم أنّهم لم يفهموا هذه النصوص ولم يصيبوا المراد منها بما في ذلك ميثم البحراني أحد شرّاح النهج من الشيعة حيث تحيّر فيها فيا للعجب !
أمّا المغيرة فهو منافق من رؤوس النفاق فمن الطبيعي أن يتصوّر عليّاً وهو لا يشكّ أن الأمر صائرٌ إليه ! فأين العهد المعهود من النبي الأمي صلى الله عليه وآله الذي كان يكرّر القول فيه إذن؟ وهل الذي يدري ساعة موته ولا يموت إلاّ بمشيئة الله لا بمشيئة ملك الموت لا يدري متى يصير الأمر إليه؟
? وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ? 67 / 39
ذكر صاحب الرياض في ج 2 / 165 مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله قال:
لمّا أُسري بي مررت بملكٍ جالسٍ على سريرٍ من نورٍ وإحدى رجليه في المشرق والأخرى في المغرب وبين يديه لوحٌ ينظر فيه والدنيا كلّها بين عينيه والخلق بين ركبتيه ويده تبلغ المشرق والمغرب فقلت: يا جبريلُ من هذا؟ قال: هذا عزرائيل تقدّم فسلّم عليه فتقدّمت وسلّمت عليه فقال: وعليك السلام يا أحمد. ما فعل ابن عمّك علي؟ فقلت: وهل تعرف ابن عمّي. قال: وكيف لا أعرفه وقد وكّلني الله بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك وروح ابن عمّك علي بن أبي طالبٍ فإن الله يتوفّاكما بمشيئته.
أقول: وهو الحديث ( 195 ) في كتاب فضائل الخمسة في الصحاح الستة من الجزء الثالث / 74.
فأمّا قوله عليه السلام: والله ما قالت ولكن قوِّلت.. أي أنطقها الله بهذا الكلام وهو كلامُ حقٍّ وفيه ذمٌّ وتكفيرٍ لأن الذاهب بخير شيءٍ إنّما هو شرّيرٌ وقد قالت النادبة: ذهب بخيرها.
وقالت: نجا من شرّها وفيه ذمٌّ أعظمٌ . . لأن الرسل والمؤمنون جميعاً ليسوا بمنجاة من الشرور. كيف ومع من وقع صراعهم إذن؟؟.
بل الأشرار أنفسهم ليسوا بمنجاةٍ من شرورهم قط .. إلاّ عُمر انفرد عن الأخيار والأشرار في أنّه بمنجاةٍ من شرور الدنيا. . فيا للعجب من العقول التي لا تفهم هذا الكلام،,, فإنه لا يصحّ إلاّ إذا كان هو مصدر الشرور كلّها. فالمصدر بالطبع هو الوحيد بمنجاةٍ منها لأنه هو ذاته شرٌّ محضٌ.


وأمّا قولها: أمات الفتن فهو خلاف القانون الإلهي، لأن القانون الإلهي هو ما في سورة الروم مثلاً:
? ألم. أحسِب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتّنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين ?
فماذا فعل ؟؟وماذا قالوا حتى أمات الفتن؟
لا تموت الفتن حتى يقولوا: كفرنا ورضينا بالكفر ديناً وبالشيطان إماماً وقائداً. وعند ذلك تموت الفتن!!
أم تحسب أنّ جعفر الصادق عليه السلام يظلم أمّة جدِّه وأهل بيته وقومه حينما يقول: كفر الناس بعد رسول الله إلاّ ثلاثة !!
إنّه يا قوم ينطق عن القرآن والمصيبة أنّكم لا زلتم تكفرون بالرحمن فالويل لكم من عذاب الله القريب.


وأمّا قول النادبة: أحيا السنن فلا أحد له الحقّ في أن يزعم أن النادبة تعني بها سنن النبي صلى الله عليه وآله مثلما لا يحقّ لي أن أدّعي أنّها تعني سنن الشيطان. أليس هذا إنصافٌ منّي؟ لأنّها تركتها سائبةً بلا إضافةٍ ولا تعريفٍ. إذن فنحن متّفقون بحمد الله أن النادبة قالت: ( السنن ) وهي لا تعني ما نفهم من اللغة إلاّ ( السنن ) مطلقاً. والسنن مطلقاً هي قوانين الحركة الاجتماعية ذاتها ولنقل أنّها السنن المذكورة في القرآن:
? قد خلت من قبلكم سننٌ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذّبين ? 137/3


لقد أحيا هذه السنن فمرحى لعُمر ومرحى للمؤمنين بعُمر.

وأمّا قول النادبة: خرج نقيّ الثوب، بريئاً من العيب.. فهذا هو حال الشيطان، فإنه يغوي ولكن لا علاقة له باختيار الخلق ولا يحمل في الواقع ذنوبهم.

وما هو العيب في الشيطان يا هذا؟. لأنّك لو قلت هذا الكلام عن الكافر فإنّه لا يصحّ ولا يصحّ عن المشرك أيضاً لأن الكفر والشرك فيه عيوب لا تنكر.
ولكن ماذا تقول عن العيب نفسه المجسّد في صورة إنسانٍ؟. هل تقول: أنّ في العيب عيباً؟
لا يجوز طبعاً ويجوز أن تقول: أنه نقي نقاوة كاملة من حيث هو عيبٌ كلّه.. إذا فهمنا كلام النادبة وتصديق الإمام عليٍّ لها فهمنا كلامه الذي هو أكثر وضوحاً. وأعني به قوله: لله درّ بلاد فلانٍ …الخ.
فقوله عليه السلام: ( فلان ) هو قولٌ مقصودٌ أراد به الإشارة إلى اسمه في القرآن. ولذلك أقسم أنها ما قالت ولكن قوّلت ونطق على لسانها روح القدس. قال تعالى:
? يوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتا ليتني لم أتّخذ فلاناً خليلا. لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ?
و( فلان ) إسمه عند الناس وهو نفسه الشيطان. والظالم هنا أبو بكر يندم على اتّخاذه الشيطان المحض خليلاً. والزعم بأن الظالم هو اسم جنسٍ مردودٌ، بل هو كفر بالقرآن لأنّه إذا كان اسم جنسٍ فقد شمل كلّ الظالمين وكلّ مؤمنٌ هو ظالمٌ بدرجةٍ ما. ولكن الظالم الحقيقي وممثّل الظالمين واحدٌ معلومٌ بأل التعريف، لأن الجنس الكامل للظالمين مذكورٌ في القرآن بلفظ الجمع. فإن ادّعى المدّعي أن الظالم اسم جنس فقد ادّعى أن لا فرق بين المفرد والجمع فيخالف اللغة والطبيعة ويتّهم الباري عزّ وجلّ بقول الأشياء شططاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
على أن تفسير أهل البيت عليه السلام في أن ( الظالم ) هو أبو بكر و ( فلان ) هو عمر الشيطان متواترٌ عنهم في عشرات الأخبار. فمن شاء أن يعبد الله فهذا كلام الله، ومن شاء أن يعبد الشيطان فـ:
? لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي ?


إن كلّ الألفاظ في الآية هي على الأفراد. ومعلومٌ أن الظالمُ نادمٌ لأنّه لم يتّخذ مع الرسول سبيلا فهو في عصر الرسول واتّخذ من دونه فلاناً خليلاً وهو شخصٌ واحدٌ أيضاً، وهو معلومٌ ويعرفه وهو قرينه.

ولا نعلم في الملّة رجلين تآخيا في كلّ حالٍ واقترنا في كلّ مجالٍ سوى الأربعة محمّد وعليّ من جهةٍ وأبو بكر وعمر من جهةٍ أخرى.
والآية في الذي اتّخذ من دون الرسول خليلاً فلا تصدق على أيِّ إثنين في الأمم كلّها والتاريخ كلّه إلاّ على أبي بكرٍ وعمرٍ حتى أنّهما سمّيا بإسمٍ واحدٍ فقيل: الشيخان وقيل العمران ‍ فافهم وتأمّل.
ثمّ إن الخطاب لهما في سورة الرحمن مستمرٌ من أول السورة إلى آخرها فكلّما ورد ? فبأي آلاء ربّكما تكذّبان ? كانا هما المخاطبين.
ويحمل المحرّفون الخطاب على أنّه للإنس والجنّ، وهذه فريةٌ مكشوفةٌ لأنّ الأنس والجنّ قد وردا في نفس السورة. إذ لمّا جاء بالفعل جاء به على الجمع ولم يأت به على المثنى لأن المعشر مجموعة والمعشر الآخر مجموعة فأصبح المجموع مجموع أفرادٍ. ولذاك قال: ( إن استطعتم ) وقال: ( تنفذوا ) وقال: ( فأنفذوا ) وقال: ( لا تنفذون ).. وكلّ هذه جموع ولو كانا هما المراد من المثنى لاستمرّ بالقول: إن استطعتما وأنفذا و لا تنفذا …الخ فانظر:
? يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فأنفذوا لا تنفذون إلاّ بسلطان ?
وكان المحرّفون في عهد عثمان يعلمون ذلك فوجدوا في السورة آيةً تكشف الأمر وتفضح القضيّة كلّها وهي على نسق الآيات كلّها في التثنية وهي قوله تعالى:
? يعرف المجرمان بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ?
وقوله:
? يطوفان بينها وبين حميمٍ آن ?
وكلّ هذه مدعاةٌ لأن يسأل القارئ: من هما؟ فينكشف الأمر، فعمدوا إلى تحويل الصيغة من المثنى إلى الجمع خلافاً لكلّ آيات السورة المباركة وجعلوها ( يعرف المجرمون ) و ( يطوفون ) لتكون عامّة في كلّ الكفّار.
في تفسير البرهان بسنده إلى إبراهيم بن عبد الحميد قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخرج لي مصحفاً فتصفّحتُ فيه فوقع بصري على موضعٍ منه فإذا فيه مكتوبٌ: ? هذه جهنم التي كنتم بها تكذِّبان ? يعني الأولين.
وفي بصائر الدرجات: ? يطوفان بينها وبين حميمٍ آن ? / البرهان / ج27 / 269 /ح 6
أقول: وهذا هو الملائم للتثنية في كلّ آيات السورة.
وفي تفسير القمّي: ? سنفرغ لكما أيّها الثقلان ? قال عليه السلام:
نحن والقرآن أَلم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وآله إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي.
وفيه أيضاً: ? والسماء رفعها ووضع الميزان ? قال: السماء رسول الله رفعه إليه والميزان أمير المؤمنين نصبه الله لخلقه. قلت: ? ألاّ تطغوا في الميزان ? قال: لا تعصوا الإمام ولا تخسروا الميزان لا تبخسوه حقّه ولا تظلموه. قال: قلت: ? فبأي آلاء ربّكما تكذّبان ? قال: في الظاهر مخاطبة الجنّ والإنس وفي الباطن فلان وفلان.
أقول: لا يقصد بالظاهر ظاهر القرآن، بل الظاهر عند الناس وهو غير ظاهر القرآن.
وفيه قال في الحديث الثالث: قرأ أبو عبد الله عليه السلام ? هذه جهنّم التي كنتم بها تكذّبان ?
انظر هذه النصوص وغيرها في تفسير البرهان / ج 27 / سورة الرحمن المجلّد / 4
وفي كتاب البرهان: عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى:? يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا ? يعني عليّ بن أبي طالب.
وفيه أيضاً: يا ويلتا ليتني لم أتّخذ فلاناً خليلاً قال: الأول أي أبو بكر يقول ذلك عن الثاني ( أي عمر )
وفي حديثٍ طويلٍ آخرٍ قال:
إذا كان يوم القيامة تلاعنا في دورهما وتبرّأ كلّ واحدٍ منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا: ( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) فيجيبه الأول: ( يا ليتني لم أتّخذ فلاناً خليلاً لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا )
قال محمد بن يعقوب: خطب أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام بالمدينة بعد سبعة أيامٍ من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله فقال: الحمد لله الذي منع الأوهام أن وجوده وحجب العقول أن تتخيّل ذاته.. وساق الخطبة وهي طويلة وليست في النهج ولا في المستدرك على النهج وهي برواية الباقر عليه السلام وجاء فيها الفقرة أعلاه ومنها أيضاً:
أنا والله الذكر الذي ضلّ عنه والسبيل الذي عنه مال والإيمان الذي به كفر والقرآن الذي إيّاه هجر والدّين الذي به كذّب والصراط الذي عنه نكب ولئن رتعا في الحطام المنصرم والغرور المنقطع وكانا على شفا حفرةٍ من النار. لهما عليَّ شرّ ورود في أخيب وفود وألعن مورود يتصارخان باللعنة، ويتناعقان بالحسرة، ما لهما من راحةٍ ولا عن عذابهما من مندوحةٍ، إنهما لا زالا عباد أصنامٍ وسدنة أوثانٍ يقيمون لها المناسك وينصبون لها العتائر ويتخذون لها القربان ويجعلون لها البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ويستقسمون بالأزلام عاقهين عن ذكر الله عزّ ذكره، جائزين عن الرشاد، مهطعين إلى العناد قد استحوذ عليهم الشيطان وغمرتهم سوداء الجاهلية ورضعوها جهالة وانتظموها ضلالة …الخ.. . إلى آخر الخطبة.
أقول: هذه الأفكار هي ثوابت الاتّجاه الإمامي الذي يؤمن بالنص والوصية، إذ يستحيل الجمع بين الإيمان بالإمامة المنصوصة وصحّة الاعتقاد بأئمّةٍ آخرين.. أمّا التحولات الموجودة في طوائف وتيارات ضمن الاتجاه الإمامي فهي تحولات نفاقية أو وفاقية لا صلة لها بالثوابت الإمامية. فالمجاملات شيءٌ والتقيّة شيءٌ آخرٌ. فمن زعم أن التقيّة تبيح له تغيير الثوابت أو ادّعاء سواها فهو كافرٌ. إنّما التقيّة هي تصرفٌ فرديٌّ فقط كأن يقول الخائف: أنا لست إمامياً ولا أقول بهذا القول. أمّا أن يكذب على الأئمّة ويقول أن من قولهم كذا وكذا وهو ليس من قولهم فعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين.
نعم. في عصر الأئمّة عليه السلام كان يمكن بإذن من الإمام نفسه أن يقول ما يأمره الإمام بقوله، فإنهم عليهم السلام يقولون ولكن لا يكذبون قط. فمن يفهم يفهم ومن لا يفهم لا يفهم. فكانوا يمنعون عن أنفسهم الخطر بقول هو عينه الحق ولكن بطرائق وألفاظ يعمى عنها الخصم يحسبها له وهي عليه كقول عليٍّ عليه السلام في تأبين عمر: ( عليك رحمة الله )‍ !. نعم. إنها عليه لا له وما هي إذن إلاّ لعنة لأنّه منع رحمة الله مع جنوده من الانتشار في المعمورة.
فقوله عليه السلام: لله بلاد فلان، فقد علمت لماذا قال فلان ولم يسمّه باسمه فهذا وحده فيه ما فيه من الإشارة إلى فلان الذي أضلّ قرينه والمذكور في كتاب الله.
وقوله: بلاد ولم يقل بلد للاختلاف بينهما في القرآن. فالبلد واحدٌ دوماً وهو ( البلد الأمين ) الذي جاء في قوله تعالى:? وهذا البلد الأمين ? وقوله تعالى: ? فلا أقسم بهذا البلد ?.
أمّا البلاد فهو تعبيرٌ عن دولة الطاغوت. قال تعالى:
? فلا يغررك تقلّب الذين كفروا في البلاد ?
والجمع ( بلاد ) دليلٌ على الفرقة لأن الفاروق جعله بلاداً لا بلداً واحداً وبفضله تمّ زرع بذور الفتنة ولذلك قال عليه السلام بعدها: ( خلّف الفتنة ) فهي من تركته في البلاد.
وقوله عليه السلام: ( قوّم الأود وداوى العمَد ) من غير إضافاتٍ معلومٌ مراده لأن هذا هو حال النفاق فهو عندهم كذلك ولكن الإمام صادقٌ فهو يحدّث عن نفسه لا عن غيره. وإذن فالأود والعمد هو أمدهم وعمدهم ولذلك ترك إضافته فلم يقل: أود الدّين أو الإسلام مثلاً ولا قال: عمد الملّة أو غيرها.. وأعقب ذلك بالقول: وأقام السنّة.. حيث تركها عامّة وهي سنّة الله في الذين خلو من قبل لأنّك لو راجعت أقواله عليه السلام في السنّة وجدتها جميعاً يضيف فيها لفظ ( السنّة ) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: وسنّة نبيه أو سنّة رسول الله كما في قوله من الفقرة ( 266 ) من جزء 4 من شرح النهج:
ومحمّد صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنّته أقيموا هذين العمودين
فلمّا ترك الإضافة فقال: أقام السنّة فقد أقام السنّة فعلاً !. أَوَليست السنّة واقعة على الفتنة والفتنة من السنن الإلهية؟ ولذلك قال بعدها مباشرةً: ( وخلّف الفتنة ). وفيها إشارة إلى واحدة من ( مناقب عمر ) ذكرها الحفّاظ على أنها منقبة قالها فيه صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وهي قوله لعُمر: هذا غلق الفتنة ـ ذكره السيوطي في التاريخ. وفي لفظٍ آخرٍ: ( إذا ذهب هذا خرجت الفتنة إن هذا غلق الفتنة ) ويشير فيه إلى عمر. فالناس لجهلهم ظنّوا أن الفتنة جاءت بسبب عثمان حتى أن بعض أرباب الكلام وزعماء الملل وجّهوا كلام أمير المؤمنين في الفتنة إلى عثمان جهلاً منهم أو تعصّباً لعمر وأبي بكر أو عبادةً لأفكار مذاهبهم التي عبدوها من دون الله. ولكي تفهم هذا الأمر بجلاءٍ تامٍ سوف أذكر لك مثالاً عنه من كلام رئيسٍ من رؤساء الاعتزال هو ابن أبي الحديد في شرحه لفقرة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام لترى بنفسك: هل يعبد ابن أبي الحديد الرب الذي تحدّث عنه محمد صلى الله عليه وآله أم يعبد شيخه واصل بن عطاء؟
هذه الفقرة هي من قول أمير المؤمنين في الخطبة الأولى بعد مقتل عثمان حيث قال بعد الحمد والصلاة:
قد طلع طالعٌ ولمع لامعٌ ولاح لائحٌ واعتدل مائلٌ واستبدل الله بقوم قوماً وبيومٍ يوما وانتظرنا الغِيَر انتظار المجدب المطر. وإنّما لأئمّة قوّام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده ولا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه
نهج البلاغة / الخطبة 152 / ج 3 / 238
قال الشارح: قوله انتظرنا الغيَر انتظار المجدب المطر: هذا الكلام يدّل على أنه كان يتربّص بعثمان الدوائر ويرتقب حلول الخطوب بساحته. وراح الشارح يحاول الإجابة على هذا الإشكال وتناقضه مع الواقع التاريخي الذي دافع فيه عليّ عليه السلام عن عثمان مراراً ومنع منه الثوّار.
وذلك أن الشارح ظنّ أن أوّل الكلام: ( لمع لامع ولاح لائح واعتدل مائل ) ـ هو بمعنىً واحدٍ وقال: هو إشارةٌ إلى ما كانت عليه الأمور من الاعوجاج أواخر أيّام عثمان، واستبدل الله بعثمان وشيعته عليّاً وشيعته فلذلك قال عليه السلام: استبدل الله بيومٍ يوما وبقومٍ قوماً.
أقول: كلّ ذلك يزعمه الشارح من أجل الإبقاء على صحّة خلافة أبي بكر وعمر، بل والشطر الأوّل من خلافة عثمان مع أن النص لا يشير من قريبٍ ولا من بعيدٍ إلى أيّةِ فترةٍ محدّدةٍ، بل هو عامٌ، بل هو لو تمعّنت يشيرُ إلى ( طالعٍ ولائحٍ ولامعٍ ) كان مختفياً طوال الوقت وبالتالي فإن ( المائل واليوم والقوم المبدّلين ) هم كلّ الذين سبقوه فانتبه.
ولذلك قال أن معرفة الإمام المفروض الطاعة واجبة على المسلم وأنه لن يدخل الجنّة إلاّ إذا عرف أئمّة الحق وعرفاء الله على العباد ومن أنكرهم دخل النار.
بل حصر الدخول إلى الجنّة والنار بمعرفتهم أو إنكارهم على الترتيب بأداة الحصر فقال: ( لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه ) وقال: ( لا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه ).
قال الشارح:
(( هذه إشارةٌ إلى قوله تعالى:
? يوم ندعو كلّ أُناسٍ بإمامهم ? الإسراء / 71
فقد قال المفسّرون: يُنادى في الموقف يا أتباع فلانٍ ويا أصحاب فلانٍ. فينادى كلّ قومٍ باسم إمامهم ويقول: أمير المؤمنين: ( لا يدخل الجنّة إلاّ من كان عارفاً بإمامه ). ثمّ قال: وأصحابنا كافةً قائلون بهذه القضية وصحّتها وهي أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف الأئمّة. ألا ترى أنّهم يقولون الأئمّة بعد رسول الله فلان وفلان وفلان ويعدّونهم واحداً واحداً. فلو أن إنساناً لا يقول ذلك لكان عندهم فاسقاً والفاسق لا يدخل الجنّة عندهم أبداً. وجاء في الخبر المرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله: من مات بغير إمامٍ مات ميتة جاهليةٍ.)) انتهى المقصود من كلامه.
أقول: انظر إلى غرابة هذا التفسير فكأنّه يزعم أن من عرف الإمام المنتخب دخل الجنّة !
وبالطبع فكلّ الخلق يعلمون الإمام بعد انتخابه فهل يدخل الجميع إلى الجنّة؟ أم المقصود من كلامه عليه السلام أن الواجب معرفة الإمام الحقّ سواء انتخبه الناس أم لم يفعلوا؟.. فيالغباء العقول إذا عميت القلوب !.
إن هذا الشارح يريد إرضاء نفسه والمطابقة مع مذهبه في الاعتزال لأنّه قال: (( وإن قلنا غير ذلك فهو عين قول الشيعة ! )).
إذن فليخالف المنطق وليكذب على عليّ بن أبي طالبٍ وليسوّف ويزوّر الأقوال حتى لا يطابق كلام الإمام آراء الشيعة !!.
وأمّا قوله عليه السلام: ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه.. فهو أوضح ويناقض ما ذهب إليه الشارح ولذلك تورطّ فيه فقال: ( وليس في ذلك القول إشكالٌ عند أصحابنا ولكن الإشكال في قوله " ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه " )!
وزعم أن إنكارهم له وإنكاره لهم يتمّ في يوم القيامة بسبب أعمالهم وادّعى إن هذا التأويل هو الوحيد الممكن للحفاظ على رأي السلف في صحّة خلافة الصدّيق والفاروق !.
ألا تعجب أخي القارئ من تزوير هذه الأمّة وكذبها على أولياء الله وعلى الله ورسوله؟


فماذا تسمّي هؤلاء؟.. جهلةٌ أم منافقون أم عميان أم أغبياء أم هو قومٌ تحرّكهم الأهواء والانتماءات القبلية أم هم قومٌ ولعوا بالخلط بين الحقّ والباطل؟ وهل تحسب أن الآخرين أقلّ إمعاناً في هذا الخلط من أبي الحديد ذي العقل البليد؟
وأعود إلى الأصل:
وأمّا قوله عليه السلام: أصاب خيرها وسبق شرّها.. فالضمائر تعود إلى الولاية، حيث أصاب منها الخير الذي جاء به البشير النذير وسبق الشرّ الذي قام هو بتأسيس أركانه ويفسّره قوله اللاحق وهو: ( أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه ). فيا لها من كلمةٍ جامعةٍ تدلّ دلالةً واضحةً على أنّه أكفر خلق الله في التاريخ لأنّه لم يؤدّ إلى الله الطاعة ـ طاعة نفسه، بل إدّى إلى الله طاعة الله، ولم يتقّ الله بحقّ نفسه، بل بحقّ الله ذاته وهذا منتهى الطغيان والكفر.
فعجباً لمحمّد عبده وابن أبي الحديد، بل عجباً لأساطين الشيعة وهم يفسّرون كلام أمير المؤمنين بغير مراده، بل بخلاف مراده وهم يزعمون أنّهم يحبّون عليّ بن أبي طالبٍ ويعظّمون قدره !.
ثمّ يأتي هذا الكاتب الكاذب والملفّق الناصب فيأخذ أقوالهم ويدّعي التجديد في التنظير للشورى ومن كلام عدوّ الشورى اللدود الإمام عليّ بن أبي طالب !.
وما عشت أراك الدهر عجباً. فانظر إلى تخريج ميثم البحراني الذي هو أعجب. بلى إن الأمر لكمل قال عليٌّ عليه السلام: العلمُ علمان: مطبوعٌ ومسموعٌ. ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع
النهج / الفقرة 278 / ج 5 / 577
إنّهم علماءٌ بيد أنهم علماء علمٍ مسموعٍ وليس عندهم ذرّةً من العلم المطبوع، بل طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون.
ثمّ ختم عليه السلام كلامه بالقول:
فتركهم في طرقٍ متشعّبةٍ لا يهتدي بها الضّال ولا يستيقن المهتدي
وهذا منتهى الذمّ وهو واضحٌ جداً إلى حدٍّ يستحيل معه إمكان تأويله ليطابق ما زعموه من المديح في ما سبقه من كلام. والله لا أستحي أبداً أن أصف الشرّاح بواحدةٍ: إمّا النفاق أو الغباء وألاّ فلن أقبل بأن أكون مثلهم فأكذب حتى لو كنت من غير هذه الملّة ولا شأن لي بصراع القوم … فكيف وأنا أتشرّف بالانتساب إلى دين الإسلام وهواي أن يمنّ الله عليّ بالرضا والغفران؟



منقووول من كتاب الشهاب الثاقب

لعالم سبيط النيلي