هـل خُلِقتْ حـوّاء من ضـلع آدم عليه السلام؟ | الكافي

هـل خُلِقتْ حـوّاء من ضـلع آدم عليه السلام؟

أدب الحوار

عضو معروف
18 أبريل 2010
126
0
بسم الله الرحمن الرحيم

هـل خُلِقتْ حـوّاء من ضـلع آدم عليه السلام؟



تَمهيد:
من المواضيع التي يتساءل عنها الناس، وهي ترتبط بتاريخ نشوئهم من جهة، وبالنصوص الدينية من جهة أخرى: مسألة خلق أمِّنا حوّاء.. فهل خُلقت من تراب، كما خُلق أبونا آدم عليه السلام، أم أنّها خُلقت بنحو آخر؟

الأقوال في المسألة:
هناك فكرتان حول هذا الموضوع، إحداهما – وهي التي يرتئيها علماء أهل السنة والجماعة - : هي القائلة بأنّ خلق حواء كان من أحد أضلاع آدم اليُسرى، وفي مصادرهم روايات تدل على هذا.

والفكرة الأخرى هي القائلة بأنَّ خلق حواء كان من تراب، مع احتمال أن يكون ترابُها ذا علاقة تكوينية بضلع آدم الأيسر. وهي الفكرة السائدة في الوسط العلمائي للشيعة الإمامية، وهم يستندون في رأيهم هذا إلى روايات مصادرهم أيضاً.

ومثال الروايات التي في مصادر أهل السنة والجماعة: ما رواه البخاري في صحيحه (4/103) :
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ: أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا.

وأخرجه البخاري ثانياً في (6/145) ، وأخرجه مسلم في (4/178) … وغيرهما.

ويمكن تتبع ألفاظ روايات الباب عند أهل السنة في مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي (4/303 - 304) .

وهدفُنا في هذه الدراسة المقتضبة أن نتساءل عن حصيلة هذه المسألة وما يرتبط بِها من روايات في كتب شيعة أهل البيت عليهم السلام.

وقد وردت عدَّة روايات ذات دلالة ظاهرة، وبعضها لا يخلو من صراحة، على مثل ما قال بِها الاتجاه السني، في حين توجد روايات يمكن أن تغيِّر مسار هذه الدلالة، وفيما يلي نستعرض كلا النوعين من الروايات.

الفئة الأولى: الروايات الموافقة لما قال به أهل السنة والجماعة:

1 – قال الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه (4/31) :

"وَرَوَى السَّكُونِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ (ع) ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) كَانَ يُوَرِّثُ الْخُنْثَى فَيَعُدُّ أَضْلاعَهُ ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَضْلاعُهُ نَاقِصَةً مِنْ أَضْلاعِ النِّسَاءِ بِضِلْعٍ ، وَرَّثَ مِيرَاثَ الرَّجُلِ ؛ لأَنَّ الرَّجُلَ تَنْقُصُ أَضْلاعُهُ عَنْ ضِلْعِ النِّسَاءِ بِضِلْعٍ ؛ لأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ (ع) الْقُصْوَى الْيُسْرَى فَنَقَصَ مِنْ أَضْلاعِهِ ضِلْعٌ وَاحِد".

أقول: ربط النقصان العضوي التكويني بمسألة خلق أحدهما من ضلع الآخر، صريحٌ في أن المقصود هو نفس ما ارتآه أهلُ الخلاف. وحمل الرواية على التقية لا يتم إلا بالتفكيك بين الحكم والتعليل الذي ذُيِّلت به الرواية.

2 – أورد الشيخ الطبرسي في "مستدرك الوسائل" (14/255) عن القطب الراوندي في "لب اللباب" عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، أنه قال : "خُلقت المرأة من ضلع أعوج، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج".

أقول: ربط الخلقة من ضلع أعوج بمسألة الطبيعة النفسية، يزعزع ظهور (من ضلع أعوج) في معنى الضلع العضوي التكويني؛ فلعل المراد الإشارة إلى معادلة تكوينية في خلقة المرأة النفسية، لا في خلقتها العضوية؛ فتكون الرواية غير صالحة لمعارضة النوع الثاني من الروايات، بل تصلح للانضمام للفئة الثانية التي عنوناها بالمحايدة.

3 – وفي علل الشرائع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ضمن حديث طويل) : "مِنَ الطِّينَةِ الَّتِي فَضَلَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَيْسَر".

وهذه معارضة للأولى صراحةً؛ لأن الأولى تفترض أنَّ خلقة حواء من الضلع أوجبت نقصان ضلع، كأن الضلع استهلك تماماً في خلقة حواء، في حين أن هذه الرواية تدل على أن خلقة حواء لم تتم عبر استهلاك ولا استثمار ضلع من أضلاع آدم عليه السلام، بل كل ما هنالك أن طينة الضلع الأيسر، هي نفسها الطينة التي خُلقت منها حواء، فلا وجه مع هذا إلى القول بأن خلقتها تستوجب نقصان ضلع من آدم عليه السلام كما تدل عليه الرواية الأولى.

4 – وفي الاختصاص للشيخ المفيد (بغير إسناد) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ضلعه الأيسر". ويظهر أن هذه هي رواية العلل السابقة نفسها.

5 – وفي جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي (20/326) عن تحفة الإخوان للمولى الفاضل المولى سعيد المزيدي : عن أبي بصير عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (في حديث طويل) قال فلما نام آدم عليه السلام خلق الله من ضلع جنبه الأيسر مما يلي الشراسيف ، وهو ضلع أعوج ، فخلق منه حواء ، وإنما سميت بذلك لأنها خلقت من حي ، وذلك قوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) ..." الخ الراية. والرواية في مستدرك الوسائل : 14/324 عن المصدر نفسه.

6 – وفي بحارالأنوار ج11 ، ص115 – 116 ، عن تفسير العياشي‏ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) : قَالَ خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ قُصَيْرَا جَنْبِ آدَمَ ، وَالْقُصَيْرَا هُوَ الضِّلْعُ الأَصْغَرُ، وَأَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ لَحْماً.

7 – وفي بحارالأنوار ج11 ، ص116 ، عن العياشي قال: وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ: خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ جَنْبِ آدَمَ وَهُوَ رَاقِدٌ.

8 – وفي بحارالأنوار ج11 ، ص116 ، عن العياشي أيضاً قال : عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْوَاسِطِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنَ الْمَاءِ وَ الطِّينِ فَهِمَّةُ آدَمَ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ فَهِمَّةُ النِّسَاءِ في الرِّجَالِ فَحَصِّنُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ.

9 - في تفسير القمي بسند صحيح (2/114 - 115) : حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن بريد العجلي عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن قول الله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) . قال: إنَّ الله تبارك وتعالى خلق آدم من الماء العذب، وخلق زوجته من سنخه، فبرأها من أسفل أضلاعه، فجرى بذلك الضلع بينهما نسب، ثم زوجها إياه فجرى بينهما بسبب ذلك صهر، فذلك قوله نَسَباً وَ صِهْراً، فالنسب يا أخا بني عجل: ما كان من نسب الرجال، والصهر ما كان بسبب النساء.

ومن طريقين عن ابن محبوب: الشيخ الكلينى فى الكافي (‏5/‏442) ، قال: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ، جَمِيعاً: عن ابن محبوب… به (مع اختلاف طفيف في اللفظ) .

وطريق الشيخ الكليني الثانية إلى ابن محبوب صحيحة أيضاً.

وهذه الرواية لا تخلو من إجمال من جهة كونِها تدل على ضلع موضعه من أسفل الأضلاع، فكأنه شيء غير الأضلاع، فنحتمل أن يكون الضلع لم يُعَدّ من الأضلاع باعتبار ما بعد الاستلال، أو أن الضلع ليس ضلعاً بتمامه بل جزءاً من ضلع؛ ولذا لم يُعدّ ضلعاً في عبارة، ثم عدَّ ضلعاً في عبارة ثانية.. كما أن كون خلق حواء من الضلع هو الوجه في جريان النسب بين آدم وحواء يوحي بأن ذلك الجزء الذي خلقت منه هو نفس ما يوجب أن يكون الولد منسوباً إلى أبيه، وهذا – مضافاً إلى إبْهامه – يوحي بأن المراد من الضلع ليس هو الضلع المتبادر إلى الذهن، بل عنصراً ذا ارتباط بالضلع، وإلاّ فإن الضلع المعروف ليس هو الموجب لجريان النسب.. فهذه النساؤلات توجب إبْهاماً وإجمالاً في الرواية.

وتحصَّل من ذلك أن هناك روايات عديدة دالة على ما قال به أهل الخلاف في هذا الموضوع، على إشكاليات في دلالة بعضها.


الفئة الثانية: الروايات المحايدة:

ثمَّة روايات غير صريحة لا في جانب الإثبات، ولا في جانب النفي، وهي التالية:

1 – في بحار الأنوار (12/97) عن تفسير القمي بسنده (أبي [ثقة إمامي جليل على التحقيق] عن النضر [بن سويد: ثقة إمامي جليل] عن هشام [بن الحكم على الأرجح، أو بن سالم، وكلاهما: إمامي ثقة جليل] فالسند صحيحٌ) عن الصادق عليه السلام أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: "إنما مثل المرأة مثل الضلع العوجاء إن تركتها استمتعت بها ، وإن أقمتها كسرتها".

2 – وفي الكافي: أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ (والسند صحيح) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّمَا مَثَلُ الْمَرْأَةِ مَثَلُ الضِّلْعِ الْمُعْوَجِّ إِنْ تَرَكْتَهُ انْتَفَعْتَ بِهِ وَ إِنْ أَقَمْتَهُ كَسَرْتَهُ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ اسْتَمْتَعْتَ بِهِ.

3- وفي الكافي أيضاً: عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانٍ الأَحْمَرِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (ع) شَكَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِ سَارَةَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: إِنَّمَا مَثَلُ الْمَرْأَةِ مَثَلُ الضِّلْعِ الْمُعْوَجِ، إِنْ أَقَمْتَهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ اسْتَمْتَعْتَ بِهِ اصْبِرْ عَلَيْهَا.

هذا ما وقفتُ عليه في هذا النوع، وهذه المجموعة لا تتنافى مع المجموعة الأولى؛ إذ لا تنافي بين الالتزام بكونها خُلقت من الضلع الأعوج، والالتزام بكونِها مثل الضلع الأعوج، بل الثاني يصلح كالنتيجة للأول. كما أنّها لا تدعم القول النافي لمفاد المجموعة الأولى، أي لا تؤيِّد الفئة الثالثة الآتية، وإن كانت تنسجم معها أيضاً.. فالخلاصة إلى هنا: أنَّ ثبوت أيٍّ من القولين لا يعارض هذه المجموعة، فهي محايدة.


الفئة الثالثة: الروايات التي تنفي ما ذهب إليه أهل الخلاف وتعارض المجموعة الأولى:

1 – الرواية التي أوردها العلامة المجلسي في بحار الأنوار (11/115) عن [قصص الأنبياء عليهم السلام‏] بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَهْبٍ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ فَضْلِ طِينَةِ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَكَانَ أَلْقَى عَلَيْهِ النُّعَاسَ وَأَرَاهُ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ، وَهِيَ أَوَّلُ رُؤْيَا كَانَتْ فِي الأَرْضِ، فَانْتَبَهَ وَهِيَ جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ...

2 – الرواية التي في بحارالأنوار ج : 11 ص : 116 عن تفسير العياشي عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) : مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ اللَّهُ حَوَّاءَ؟ فَقَالَ: أَيُّ شَيْ‏ءٍ يَقُولُ هَذَا الْخَلْقُ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا مِنْ ضِلْعٍ من أَضْلاعِ آدَمَ، فَقَالَ: كَذَبُوا، كَانَ يُعْجِزُهُ أَنْ يَخْلُقَهَا مِنْ غَيْرِ ضِلْعِهِ؟! فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهَا؟ فَقَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ تبَارَكَ وَتَعَالَى قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ طِينٍ فَخَلَطَهَا بِيَمِينِهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، فَخَلَقَ مِنْهَا آدَمَ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ مِنَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهَا حَوَّاءَ.

3 – رواية من لا يحضره الفقيه 3/379 : رُوِيَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ خَلْقِ حَوَّاءَ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاساً عِنْدَنَا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ الأَيْسَرِ الْأَقْصَى، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً، أَيَقُولُ مَنْ يَقُولُ هَذَا إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ مَا يَخْلُقُ لآِدَمَ زَوْجَةً مِنْ غَيْرِ ضِلْعِهِ... الخ الرواية.


على مستوى أقوال العلماء:

وقال العلامة المجلسي معلِّقاً على الفئة الثالثة (البحار 11/116) :

"فالأخبار السابقة [يقصد التي تثبت الخلق من الضلع] إمَّا محمولة على التقيَّة، أو على أنَّها خُلقت من طينة ضلع من أضلاعه".

أقول: هذا الحمل وجيهٌ، ويناسب بعض روايات الفئة الأولى، إلاّ أن بعضها، كالرواية الأولى، آب عن هذا الحمل.

وقال السيِّد نعمة الله الجزائري في "قصص الأنبياء" تعليقاً على رواية العياشي الأخيرة بعد أن أوردها في كتابه (ص28) :

"أقول هذا الخبر معمول عليه بين أصحابنا رضوان الله عليهم، وما ورد من أنه خلق من ضلع من أضلاعه وهو الضلع الأيسر القصير، محمول على التقية، أو على التأويل، أو بأن يراد أن الطينة التي قررها الله سبحانه لذلك الضلع، خلق منها حواء لأنَّها خلقت منه بعد خلقه".

وقال الشيخ الصدوق (من ‏لا يحضره ‏الفقيه 4 : 32) في تفسير بعض الأخبار التي ظاهرها أن حواء خلقت من ضلع آدم (وهي الرواية الأولى في المجموعة الأولى) :

"إِنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ الطِّينَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا آدَمُ (ع) ، وَكَانَتْ تِلْكَ الطِّينَةُ مُبْقَاةً مِنْ طِينَةِ أَضْلَاعِهِ، لا أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ بَعْدَ مَا أُكْمِلَ خَلْقُهُ فَأُخِذَ ضِلْعٌ مِنْ أَضْلاعِهِ الْيُسْرَى فَخُلِقَتْ مِنْهَا..."الخ كلامه.

وهذا القول يؤيِّد ما نسبه السيد نعمة الله الجزائري إلى الأصحاب رضوان الله عليهم، إلاّ أنه يعكِّر صفو ذلك ما ذكره الشيخ الطوسي – رحمه الله - في التبيان (1/159) حيث قال:

"وروي أن الله تعالى ألقى على آدم النوم، وأخذ منه ضلعاً، فخلق منه حواء وليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون جزء، أو مما لا يتم كون الحي حياً إلاَّ معه؛ لأنَّ ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره، أو يخلق منه حيٌّ آخر من حيث يؤدِّي إلى أن لا يصل الثواب إلى مستحقه، لأن المستحقَّ لتلك الجملة بأجمعها وهذا قول الرماني وغيره من المفسِّرين، ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج، وقيل سميت امرأة لأنها خلقت من المرء". انتهى

فشيخ الطائفة لا يرى مانعاً من القول بذلك بشرط:

1 – ألاّ يكون المأخوذ من آدم مما هو جزءٌ من بدنه، بمعنى الجزء الذي يحتاجه الإنسان في خلقته وتكامل أجزاء بدنه.

2 – ألاّ يكون المأخوذ جزءاً تتقوّم به حياة الإنسان، كالقلب مثلاً، أو الدماغ.

وهذا يجعلنا نقول إنَّ الشيخ الطوسي - رحمه الله - لم يكن بصدد تأييد قول أهل الخلاف، بل كان بصدد نفيه؛ وذلك لأنَّ قولهم قائم على دعوى أنَّ حواء خُلقت من جزء من بدن آدم، بصورة أشبه بعملية جراحية ربانية، وهذا ما ينفيه الشيخ في شرطه الأول.

كما أنَّ ما طرحه شيخ الطائفة يفتح أمامنا باب التساؤل في نقطتين:

الأولى: لماذا يتم خلق حواء بهذا النحو؟ هل نحتمل أن يكون القول بهذا يستند - ولو بغير وعي – إلى اعتقاد محدودية قدرة الله تعالى؟ وهذا التساؤل يكتسب ثقلاً حين نلاحظ أن في الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، ما يوجِّه الاعتراض اللاذع إلى أصحاب هذا القول انطلاقاً من افتراض أنهم بنوا قولهم على هذا الاعتقاد الفاسد، ففي الرواية التي قرأنها آنفاً من كتاب "من لا يحضره الفقيه" عن الإمام الصادق عليه السلام: "...أَيَقُولُ مَنْ يَقُولُ هَذَا إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ مَا يَخْلُقُ لآِدَمَ زَوْجَةً مِنْ غَيْرِ ضِلْعِهِ".

الثانية: أنَّ الذي وقع – على فرض وقوعه – هو أخذ ضلع من أضلاع آدم التي خلقت في بدنه، بهدف تأمين خلقة حواء.. وهذا يجعلنا نتساءل:

إذا كان آدم بحاجة في خلقته إلى تلك الضلع، فلماذا يستل الله هذا العضو بعملية جراحية لأجل حواء، في حين أنه قادر على خلق حواء بنحو لا يستلزم إجراء عملية جراحية لآدم؟

ثمَّ إنَّنا إذا قلنا أنَّ كلام الشيخ الطوسي يُفهم منه تأييد لنظرية أهل الخلاف، ولو على نحو نفي المانعية بشروط، فإنه لا ينبغي لنا أن نتصوَّر أن الشيخ الطوسي بصدد صياغة نظره الأخير فيما يرتبط بالمسألة؛ لأنَّ كتاب التبيان بصدد مناقشة الطوائف الأخرى من الأمة الإسلامية (التفسير المقارن) ، ممن لا يعتقدون بمرجعية أهل البيت عليهم السلام، فلا نستبعد أن يكون ما طرحه شيخ الطائفة - رحمه الله - إنما ينطلق على أساس محاورة الطرف الآخر في ضوء مبانيه وتصوُّراته، وليس على أساس القناعات النهائية لشيخ الطائفة نفسه.


خلاصة الدراسة:

والخلاصة أنَّ أهل السنَّة يعتقدون بأنَّ حواء خُلقت من ضلع آدم، ولديهم روايات صحيحة السند على أساس رأيهم.. إلا أن هذه النظرية لم تثبت في إطار مذهب الشيعة الإمامية، ومع أن هناك روايات في كتب الإمامية تدل على المضمون السني، إلا أنَّ معظمها ضعيفة السند، كما أنها تتعارض مع روايات أخرى، ويعتقد علماء الشيعة أن المقصود بالخلق من الضلع هو الخلق من الطينة التي خلق منها الضلع، هذا إذا لم نحمل الروايات التي تحدّثت عن الضلع على محمل التقيَّة.

والحمد لله رب العالمين.